ابن بطوطة
9
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
الإطلاق ، أكثرهم يحفظون القرآن الكريم ويجيدون تجويده بالقراءة الصحيحة وإليهم يأتي أهل بلاد العراق برسم تعلّم ذلك . وكان في القافلة التي وصلنا فيها جماعة من الناس أتوا برسم تجويد القرآن على من بها من الشيوخ ، وبها مدرسة عظيمة حافلة فيها نحو ثلاث مائة خلوة ينزلها الغرباء القادمون لتعلّم القرآن ، عمّرها الشيخ تقيّ الدين بن عبد المحسن الواسطيّ « 24 » ، وهو من كبار أهلها وفقهائها ويعطي لكلّ متعلّم بها كسوة في السنة ويجرى له نفقته في كلّ يوم ويقعد هو واخوانه وأصحابه لتعليم القرآن بالمدرسة ، وقد لقيته وأضافني وزوّدني تمرا ودراهم ، ولمّا نزلنا مدينة واسط أقامت القافلة ثلاثا بخارجها للتجارة فسنح لي زيارة قبر الوليّ أبي العباس أحمد الرفاعيّ « 25 » ، وهو بقرية تعرف بأم عبيدة « 26 » على مسيرة يوم من واسط ، فطلبت من الشيخ تقي الدين أن يبعث معي من يوصلني إليها فبعث معي ثلاثة من عرب بني أسد « 27 » ، وهم قطّان تلك الجهة ، وأركبني فرسا له وخرجت ظهرا فبتّ تلك الليلة بحوش بني أسد ، ووصلنا في ظهر اليوم الثاني إلى الرّواق ، وهو رباط عظيم فيه آلاف من الفقراء وصادفنا به قدوم الشيخ أحمد كوجك حفيد « 28 » وليّ الله أبي العبّاس الرفاعي الذي قصدنا زيارته ، وقد قدم من موضع سكناه من بلاد الروم برسم زيارة قبر جدّه واليه انتهت الشياخة بالرّواق ، ولمّا انقضت صلاة العصر ضربت الطبول والدفوف وأخذ الفقراء في الرقص ثم صلّوا المغرب وقدّموا السّماط ، وهو خبز الأرز والسمك والتمر فأكل النّاس ثم صلّوا العشاء الآخرة وأخذوا في الذكر والشيخ أحمد قاعد على سجّادة جدّه المذكور ، ثم أخذوا في السماع وقد أعدّوا احمالا من الحطب فأجّجوها نارا ودخلوا في وسطها يرقصون ، ومنهم من يتمرّغ فيها ، ومنهم من يأكلها بفمه حتّى أطفأوها جميعا وهذا دأبهم وهذه الطايفة الأحمديّة « 29 »
--> ( 24 ) هو عبد الرحمن بن عبد المحسن المتوفى سنة 743 - 744 1343 - 1344 وهو مؤلف ترجمة الشيخ الرفاعي . Gibb : The Travel TII , P 272 Note 7 ( 25 ) سلفت ترجمة الشيخ أحمد بن علي الرّفاعي المتوفى 578 1182 ج I ، 223 تعليق 248 . ( 26 ) أم عبيدة أو عبيدة تقع على بعد خمسين ميلا جنوبا شرقي واسط ، وتسمّى في الخرائط اليوم الرفاعي . ( 27 ) بنو أسد من أشهر القبائل العربية التي أقامت بالعراق منذ الفتح الإسلامي للمنطقة . ( 28 ) كوجك ( KOUCHUK ) وتعني بالفارسية أو التركية الصّغير ، وهو ابن تاج الدين الذي يذكر على أنه أحد حفدة الشيخ أحمد لكن الذي عليه معظم المؤرخين من أمثال ابن خلّكان أن الشيخ الرفاعي لم يخلّف وان العقب لأخيه . . . رقم 248 ج I ص 223 . ( 29 ) كان اسم ( الأحمدية ) يطلق على هذه الطريقة بيد أنه ترك فيما بعد حتى لا يلتبس مع طريقة أخرى توجد بمصر تنسب للشيخ أحمد بدوي تحمل نفس الاسم .